قطب الدين الراوندي
195
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ويخلده فيما اشتهت نفسه ، وينزله منزلة الكرامة عنده ، في دار اصطنعها لنفسه ظلها عرشه ، ونورها بهجته ، وزوارها ملائكته ، ورفقاؤها رسله . فساد روا المعاد وسابقوا الآجال ، فان الناس يوشك أن ينقطع بهم الأمل ، ويرهقهم الأجل ، ويسد عنهم باب التوبة . فقد أصبحتم في مثل ما سأل إليه الرجعة من كان قبلكم ، وأنتم بنو سبيل على سفر من دار ليست بداركم ، قد أوذنتم منها بالارتحال وأمرتم فيها بالزاد . واعلموا أنه ليس لهذا الجلد الرقيق صبر [ أعلمتم ] ( 1 ) على النار ، فارحموا نفوسكم ، فإنكم قد جربتموها في مصائب الدنيا ، فرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه والعثرة تدميه والرمضاء تحرقه ، فكيف إذا كان بين طابقين ( 2 ) من نار ضجيع حجر وقرين شيطان . أعلمتم أن مالكا إذا غضب على النار حطم بعضها بعضا لغضبه [ وإذا زجرها توثبت بين أبوابها جزعا من زجرته . أيها ] ( 3 ) اليفن الكبير الذي فد لهزه القتير ، كيف أنت إذا التحمت أطواق النار بعظام الأعناق ونشبت الجوامع حتى أكلت لحوم السواعد . فاللَّه اللَّه معشر العباد ، وأنتم سالمون في الصحة قبل السقم ، وفي الفسحة قبل الضيق ، فاسعوا في فكاك رقابكم قبل أن تغلق رهائنها . أسهروا عيونكم ، وأضمروا بطونكم ، واستعملوا أقدامكم ، وأنفقوا أموالكم ( 4 ) ، وخذوا من أجسادكم تجودوا بها على أنفسكم ، ولا تبخلوا بها عنها فقد قال اللَّه سبحانه « إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ » ( 5 ) وقال تعالى
--> ( 1 ) الزيادة من م . ( 2 ) في نا ، يد ، الف ، ب : طابقين . ( 3 ) ما بين المعقوفين ساقط عن الف . ( 4 ) في م : « أنفقوا لكم » . ( 5 ) سورة محمد : 7 .